توثيق السردية الأردنية اليوم ليس ترفًا ثقافيًا أو واجباً أكاديميًا، إنّه مطلب وطني حيوي تفرضه التحولات المتسارعة التي تمسّ الذاكرة والهوية والمقصود. الأمم الحيّة اعتادت على أن لا تبادر إلى كتابة روايتها بنفسها، وإنما تترك المجال مفتوحًا لآخرين لكتابتها نيابة عنها، فالشمس لا تغطّى بالغربال. ومع ذلك، فإنّه يتم اختزال هذه الرواية وتشويهها لخدمة سرديات أخرى عابرة أو مصالح مقيتة. السردية الوطنية تتأسس على أكثر من تسلسل زمني للأحداث؛ إنها حصيلة التجربة التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية. والأردنيون ومنذ تأسيس الدولة، شكّلوا صورتهم وسمعتهم انطلاقاً من القيم والمبادئ التي ترسخت فيهم مستندين فيها الى المثابرة في العمل والصبر والانتماء. والسردية ما هي الاّ محاولة رصينة واوعية لإعادة الاعتبار للرواية الأردنية بوصفها مرآة تاريخها وموسوعة مسار دولتها ومجتمعها، وهي إذا لم تُوثّق بوعي علمي ونقدي، تبقى عرضة للنسيان، أو للتجزئة، أو لإعادة تفسيرها خارج سياقها الحقيقي أو تشويهها الذي قد يصبح حكاية. توثيق ذاكرة الوطن في الوقت الراهن، مسألة ملحة في ظل ما يشهده العالم من محاولات مستمرة للعبث في مسار بعض دوله تاريخياً، فاستغلت وسائل التواصل الاجتماعي، بما تحمله من سرعة وانتشار ورخص، الفرصة في إنتاج سرديات بديلة، بعضها يفتقر للدقة، وبعضها الآخر يتعمد القفز على الحقائق أو تفريغها من مضمونها. وفي ظل هذا الفضاء المفتوح، قد يحدث غياب السردية الأردنية الموثقة فراغًا خطيرًا، سرعان ما يُملأ بمعلومات مشوشة أو روايات مبتورة. جيل الشباب اليوم، والذي لم يعش محطات مفصلية في تاريخ دولته، يحتاج إلى رواية وطنية حيّة وصادقة، لا تُقدَّم بوصفها خطابًا جامدًا، بل كحكاية إنسانية مشوّقة، تشرح التحديات وتُبرز الإنجازات والمخرجات، وتعترف بالأخطاء دون أن تنتقص من قيمة التجربة. لقد أحسن القائمون على ملتقى شمال عمان الثقافي والمجتمعي صنعاً حينما نظموا مؤخراً فعالية "السردية الأردنية" – توثيق ذاكرة وطن والتي أكدّت أن السردية الوطنية ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي بناء وتوثيق معرفي وثقافي يتشكل من تجارب الناس، وحكايات المكان، وتضحيات الأجيال، وتحولات الدولة منذ التأسيس وحتى اليوم، وعلى أنّ السردية الأردنية ليست صورة أحادية اللون والمغزى، بل مزيج متعدد الألوان من الجغرافيا والناس والتجارب، وتوثيقها يعني حفظ هذا التنوع ضمن إطار وطني جامع، يعزز الانتماء والهوية عبر حماية الذاكرة الوطنية لصناعة الامل. ختاماً، أقول إنّ توثيق السردية الأردنية الآن هو فعل سيادي ثقافي، هدفه حماية الذاكرة الوطنية، ينبغي الاستمرار فيه وتجويده لأنه أهم أدوات المجتمع المتوفرة لفهم ذاته، لأن الذاكرة إن لم تُكتب في وقتها، ستكتب لاحقًا بغير إرادتها.