يشهد العالم اليوم وفي هذه الحقبة بالذات ، تطوراً تكنولوجياً يكاد يسبق رفة العين نتج عنه تحديات متدحرجة التفاقم، وظواهر إجتماعية جديدة متزايدة، تحتّم على الجامعات الانطلاق الى فضاءات أرحب تتخطى دورها التقليدي كمؤسسات لنقل المعرفة وإنتاج الخريجين. الجامعات مطالبة الآن وبقوة بإعادة هندسة رسالتها لتواكب متطلبات هذه الحقبة للاسهام وبفعالية في بناء مجتمع أكثر عدالة وإستدامة. من هنا، برز هذا المفهوم "جامعة المستقبل" الذي لا بدّ أن يرتكز على المحاور الرئيسية الآتية: الانسان، الغاية، أساليب التعلم، الكوكب.
"جامعة المستقبل" أساسها الشمولية، لضمان إتاحة التعليم لجميع فئات المجتمع دون تمييز أو تحيّز، ولتشمل المهمشون، اللاجئون وذوو المداخيل المتدنية على إعتبار أنه حق مكتسب للجميع. والمطلوب أيضاً في سياق الاستثمار "بالانسان" تدعيم وتجويد التنوع الثقافي والفكري داخل حرم الجامعة والاهتمام بالصحة النفسية للطلبة، لمساعدتهم في التصدي الى الضغوط المتراكمة والحرجة التي تؤدي الى إستشراء الانحراف والفساد.
أما الغاية، المتمثلة في إنتاج الاعداد الكبيرة من الخريجين، فلا مناص من تجويدها وتحسينها لإحداث التغيير الايجابي المأمول، وذلك من خلال التركيز وبقوة على البحث العلمي وإجراء التجارب وربطها بالتحديات والصعوبات التي تعاند المجتمع كالفقر، وقضايا الطاقة، والمياه، والصحة، والبطالة، والتغير المناخي، وغيرها.
أساليب التعليم مسألة أخرى هامة تتطلب الابتعاد كلياً عن نهجي التحفيظ والتلقين، والتحول بها الى نماذج تفاعلية تركز على الطالب أولاَ، وإقناعه بإتباع نهج تعليمي مختلف يعتمد على بناء المشاريع لتحرير عقله عبر تمتين مهارات التفكير النقدي والابداعي لديه. إضافة الى غرس القناعة الراسخة في عقول الطلبة بحتمية إستخدام التكنولجيا الحديثة في مجالات التعليم الرقمي، والمنصات التفاعلية، والذكاء الاصطناعي.
العنصر الاخير والهام من عناصر بناء " جامعات المستقبل " هو الكوكب الذي نعيش عليه، حيث تتحمل الجامعات مسؤولية كبيرة تجاه ما يعانيه هذا الكوكب من تحديات تتعلق بالبيئة، ويمكنها إن - تصدّت لها بفعالية – أن تصبح نموذجاً رائداً في تحقيق التنمية المستدامة. حيث يمكن لهذه الجامعات وفي هذا المقام أن تدمج مفاهيم ومواضيع الاستدامة في المساقات المدرّسة، وتدعم البحث العلمي المتعلق بالتغيرات المناخية وحماية الموارد الطبيعية والتلوث والاحتباس الحراري.
خلاصة القول، جامعة المستقبل ليست مجرد مؤسسة تعليمية بحتة، بل هي قوة إيجابية تساهم في تغيير المجتمع، إذا قامت بإعادة النظر في تطوير وتغيير غاياتها، وإهتمامها بالإنسان، وتطوير أساليب التعليم، والالتزام بالتنمية المستدامة.